اذا دارت بنا الدنيا وخانتنا أمانينا .... وأحرقنا قصائدنا وأسكتنا أغانينا

ولم نعرف لنا بيتا من الأحزان يؤوينا .... وصار العمر أشلاء ودمر كل ما فينا

وصار عبيرنا كأسا محطمة بأيدينا ...... سيبقى الحب واحتنا اذا ضاقت ليــالينـــا

الرائع/ فاروق جويدة

الاثنين، 19 مارس، 2012

دفىء

اضطررت خلال الأسبوعين الماضيين الى السفر الى مدينة القاهرة أكثر من مرة للبحث عن شقة بغرض الانتقال اليها أنا وأسرتى بسبب افتتاح شركتنا لفرع جديد هناك ورغبة صاحب الشركة أن أنتقل للعمل مع ال stuff الجديد هناك ..فعرضت الأمر على أمى التى رحبت بشدة بسبب تواجد كل أقاربها من الدرجة الأولى هناك بمدينة القاهرة ولمحت بعينيها فرحة طفل صغير غاب عن أحضان محبيه فترة طويلة ..  وحانت لحظة العودة ..

أدركت من البداية أن رحلة البحث لن تكون هينة فآثرت ألا أجهد زملائى بمشقة المرور اليومى لاصطحابى معهم بسياراتهم واتخذت قرارا "دون علم أمى" بأن أذهب بسيارتى الى مدينة القاهرة وحدى حتى أعتاد ذلك ... وياليتنى لم أتخذ هذا القرار لأنه منذ وضعت قدمى على "البنزين" وقلت "بسم الله الرحمن الرحيم" وبدأت الخيالات والأوهام تطاردنى وبدأ عقلى فى نسج القصص البوليسية "زى قصة النائب البلكيمى" عن كيف ستلاحقنى سيارة مجهولة وتقطع الطريق على بالاتفاق مع سيارة أخرى ويشهرون السلاح بوجهى ثم يسرقون سيارتى وربما يسرقون منى شيئا عزيزا آخر وحاولت ازاحة مثل هذه الأفكار مؤكدة لنفسى أننى لم أجرى عملية تجميل بأنفى ولست من السلفيين ولا من الأخوان "محترفى الكذب والتمثيل" .. ولكن دون فائدة  ... فتوقفت بمدينة "أجا" واتصلت بأحد الزملاء الذى هرول مسرعا الى واتصل بأحد السائقين بالشركة لكى يأتى ويأخذ سيارتى وركبت أنا معه 

كنا نبدأ اليوم منذ الصباح الباكر بعمل جولة ميدانية سريعة بالمكان أو بالمدينة التى سأقيم بها وكلما قابلتنا  لوحة دعاية مكتوب عليها "شقق للتمليك " كنا نتوقف ونتصل بالرقم ونذهب معه للمعاينة ورؤية أكثر من شقة  ... وكنت أسجل بعينى وبيدى أيضا ملاحظاتى عن المكان والمساحة وال view  ثم نتصل بأحد السماسرة الذى رتبنا معه مسبقا ليجهز لنا أكثر من مكان حتى لا يذهب اليوم هباءا

فى كل مرة كنا نذهب بنهاية اليوم لأحد المطاعم لتناول الغذاء بصحبة صديقنا هذا المقيم بالقاهرة و الذى اعتاد أن يتناول الثلاث وجبات بالمطاعم بالرغم من وجود بيت له و زوجة وأولاد!! ولكن دائما ما كنت أشعر أن حياته بها شىء لا أستطيع تحديد ماهيته!!!! ، علمت أنه لم يترك مطعما مشهورا بالقاهرة لم يأكل به ..صغيرا كان أم كبيرا ، فكان عندما يرهقنا البحث والتنقيب عن الشقة الموعودة ونتخذ قرار جماعى بالراحة والغذاء يبدأ هو فى طرح أكثر من 15 مكان لتناول الغذاء مع شرح مفصل لمميزات وعيوب كل مكان بالتفصيل الممل  .. مثلا .. هذا المطعم يقدم أسماك روعة و seafood يجنن ولكن ال service ليست جيدة هناك ... وهذا المطعم كان يقدم مشويات جيدة جدا عندما كانت اللحوم "لحوم برازيلى" أما الآن أصبحوا يقدمون لحوم ولكن "هندى المنشأ" كما يقول هو ...!!!!!! تعجبت كثيرا وسألته كيف لك أن تعرف أنها "هندى" أم "برازيلى"  ... "مش لحوم وخلاص ولا ايه؟ !! ولا أنا اللى حمارة" ... فاستنتجت بعد شرحه الطويل لكل مطاعم القاهرة أنه "محترف مطاعم" لا لشىء الا لأنه "بيفطر ويتغدى وبيتعشى" بهذه المطاعم ...!!

توقفت كثيرا عند هذا الرجل .. ولم أسمع جيدا معظم الحوار الذى كان يدور على ترابيزة الغذاء من تقييم للشقق ومساحاتها.. مرورا بالحالة الاقتصادية والسياسية لمصر  وصولا للحوارات الشخصية عن حياة كل منا .. كنت أومىء برأسى بالموافقة على معظم الحديث الذى لم أسمعه مع ابتسامة مصطنعة فى الوقت الذى كان يعترينى فيه برودة غريبة تكتسح جسدى لدرجة شعرت عندها أن أصابعى بدأت تأخذ لونا أزرق مع هزة ملحوظة بأحد قدمى لمحها زميل لى فهمس بصوت منخفض جدا "مالك" ؟ ... فلم أجيب" ....!!!!!
ملحوظة صغيرة : المكان كان مكيف ودافىء ... ولكن..........

لم أتذوق أى مما تناولته بأى من هذه المطاعم الكبيرة بالرغم أننى أنا من اختار هذه الأكلات بعيدا عن توجيهاته هو وشرحه المحترف المفصل ...لا لأنها كانت سيئة ... بالعكس كانت جميلة جدا وأنا أحبها فى الأساس ..... ولكن .... لم أجد أو أشعر بأى دفىء بهذه الأماكن .. تذكرت أمى وأختى وهم ينتظروننى يوميا للعودة من العمل فى السادسة مساءا وأحيانا السابعة بدون غذاء حتى نجلس معا ونأكل ونتناقش ونحكى حكايات ظلت محبوسة طيلة 9 ساعات بداخلنا لكى نتقاسمها معا ونضحك ...ودائما ما تشاركنا ابنة أختى ذات "العام الواحد" بالغذاء لا لتأكل بالطبع .. ولكن لتعبث بهذا وذاك ونظل ننزع هذا من يدها ونضحك على شقاوتها مرة ونصرخ الأخرى.. ولا مانع من أن أنتزع أنا منها "بوسة" كبيرة وهى مشغولة بالعبث بالأطباق ..... وهكذا

حياة ...حب....دفىء.... نعم دفىء جميل يغلف هذه الحياة ليملأها حياااااااااااااااااااة ... دفىء لم أجده اطلاقا بهذه المطاعم التى يمتدحها صديقنا ... دفىءلا يساوى أموال العالم أجمع...
عندما تسربت برودة حياة صديقنا هذا الى جسدى ظللت أفكر كثيرا عن السبب الذى يدفع شخص مثله ليعيش حياة "باردة"  خاوية بهذا الشكل - مع العلم أنه يقنع نفسه ومن حوله أنه أسعد شخص بالكون- ولكنى قرأت ما وراء حديثه ورأيت حزنا كبيرا يتوارى وراء ابتسامة عريضة مصطنعة لا توحى بسنتيمتر واحد سعادة.

بالطبع لم ولن أسأله من المسئول عن شكل حياته الكئيب هذا لأن هذا ليس من شأنى .... ولكننى ظللت أحمد الله عز وجل على حب أمى وأختى ودفىء أحضانهم التى تنتظرنى وتستقبلنى وتحتوينى وتغمرنى بدفىء لا أريد من ربى غيره .... الحمد لله على دفىء حياتى .