لا زلت أتذكر ملامحك وكأنك لم تغيبى عنا لسنوات... ليست ملامحك وفقط... بل كل تفاصيلك.. تعبيراتك الساخرة...مصطلحاتك المميزة....صراحتك المعهودة.... .براءتك المفتقدة.....دعواتك المستجابة...
أصارحك القول "جدتى" ...نحن جميعا تائهون بدونك... لا أعرف ..ربما لأنك كنت الحضن الكبير الذى يحتوينا ..أو فلنقل يجمعنا...يوحدنا...يقربنا...يذيب المسافات والحدود..يبدل الكره الى حب....حضن يحول الخلافات الى اتفاق غير معلن على كل وأى شىء....
كنت ومازلت بالنسبة لى لغز لم ولن أستطع فك شفرته الى الآن...
فقد كانت هذه المرأة أمية لا تجيد القراءة أو الكتابة ... ولكنها كانت تجيد باحترافية "فن الحب" ..و لغة "العاطفة" ... وحوار "القلب"... بالرغم من أنها كانت متزوجة من رجل أى "جـــدى" مثقف لأبعد الحدود..متعدد المواهب .. يجيد التحدث بلغتين ...بارع فى كتابة الشعر... أعظم رسام فى العالم... يجيد النحت بمهارة ...يجيد العزف على العود... يهوى تربية العصافير... يجيد عمل مشاتل للزرع...سياسى محترف... شغل مناصب مميزة آخرها "عضو اللجنة العامة لحزب الوفد بالمنصورة" الحزب الذى كان يؤمن بمبادئه يقين الايمان ويتغزل دائما فى مؤسسه "سعد باشا زغلول" كما كان ينعته.. ....!!!!..... ولكننا جميعا كنا نلتف حول "جدتى المرأة الأمية" التى لم تعتلى أى من المناصب ... فالبرغم من أنه كان "جد" مشرف.. ولكنه لم يمتلك أيا من أدواتها التى كانت تجذبنا اليها دون أن نشعر....!!!
كانت هذه المرأة أبسط من الكلمات التى يمكن أن تصفها... تحب أبناءها وأحفادها لأبعد الحدود ...كما كانت تملك براءة وعفوية مصحوبة بروح فكاهية غريبة ...خليط قلما يتواجد فى امرأة..
أذكر عندما كانت تمرض .... فى كل مرة كنا نرسل فى استدعاء "نفس الطبيب" الشاب القاطن بنفس الشارع الذى كانت تسكنه ... وعندما يأتى ... يبدأ فى سؤالها :
الطبيب : بتشتكى من ايه يا حاجة؟؟!!!
جدتى : ضهرى بيوجعنى يا بنى ودماغى... بقولك ايه انت ابن مين؟
الطبيب : أنا ابن فلان الفلانى يا حاجة انتى نستينى ما أنا اللى بجيلك كل مرة؟؟!!!
جدتى :اذيك يا حبيبى واذى الست والدتك وأبوك؟؟...بقولك ايه.. انت ليك عندى عروسة بقة ايه قمر...جمال ايه وحلاوة ايه ... طول ايه.. وبياض ايه.... ولا شعرها مقولكش... "بنتى" انما ايه شربات
الطبيب : بس أنا متجوز يا أمى
جدتى : ما هيه كمان اتجوزت من 10 سنين وعندها بنتين عسل زيها ...يالله ملكش فى الطيب نصيب
الطبيب : طب هاتى ايدك يا حاجة :
جدتى : أظن هتقيسلى الضغط بالجهاز البايظ بتاعك ده مش كدة؟؟؟... جيل خايب لا ليكوا فى طب ولا غيره... الواحد كان شرب شوية لبان دكر منقوع ولا ورق جوافة يجلو صدره... بلا دكاترة بلا هم...
هكذا كان حوارها معه فى كل مرة ..الذى دائما ما كان ينتهى بضحكة منه مجلجلة ...نشترك نحن جميعا فيها... ويكون رد فعلها أن ترمقنا بنظرة محذرة لكى نغادر الغرفة مع ضغط على شفتيها حتى نكف عن الضحك (لأن ضحك البنات قدام الأغراب عيب)
كانت ترى بناتها وأحفادها أحلى بنات فى العالم... فلم تنجب مدينة المنصورة أحلى مما أنجبت هى... وكانت تردد هذا الحوار فى كل مناسبة...وتتوعد من تسول لها نفسها التشبه ببناتها...فكانت اذا حضرت مثلا قريبة لنا للزيارة ... وعقدت فى خضم الحديث مقارنة غير مباشرة بين جمال والدتى وبين نفسها... أو ألمحت لتشابه فى طول الشعر أو جمال العينين...فلا تنتظر جدتى حتى ترحل الضيفة ...لا... تواجها مباشرة بأنه لا مجال مطلقا بين ابنتها جميلة الجميلات وبينك أنتى...ليس لشىء لا سمح الله ولكن هذه هى الحقيقة ...فابنتها لم ولن يولد مثلها...
كانت تمتلك من الصراحة والمباشرة ما يجعلنا نحتمى وراءها... ولكنها لم تكن صراحة وقحة أو فجة... مطلقا .. كم كنت أتعجب من استقبال أى شخص قريب أو غريب لنقدها بصدر رحب!!!... الكاذب تواجهة مباشرة بجملة (زمتك واسعة.... يرمح فيها الحصان)... المنافق ...(فى الوش مراية وفى الأفا سلاية)... القاسى الملامح (انت يا واد عينيك مفيش فيها سحر خالص)... تقصد "بالسحر" الملامح الطيبة الهادئة.. وهكذا
كما كانت حذرة على نفسها وأبناءها من أى ضيف حامل لأى مرض ...فاذا علمت مسبقا بقدوم ضيف مريض بكذا.... تبدأ الطوارىء والاستعدادات بتحضير منديل يحمل قدر كافى من الكولونيا الذى تصر على وضعه من آن لأخر على فمها دون أن يشعر الضيف.. وتنذرنا نحن أيضا بعينيها من آن لآخر...وعندما يغادر الضيف تبدأ فى طقوس غسل اليدين والوجه جيدا لنفسها ولكل أبناءها وأحفادها .... كما كانت تبغض التقبيل لأقصى درجة...تقبيل النساء فى المناسبات مثل الأفراح مثلا... ولكن كان المنديل المعطر دائما الصديق الصدوق المصاحب لها دائما فى كل المناسبات..
كانت تعشق "جدى" لأبعد الحدود... بالرغم أنه كان رجل قاسى نوعا ما...صارم... يدير حياته الأسرية بطريقة أقرب ما تكون للحياة العسكرية... ولكنها كانت مبهورة به .. عاشقة لتميزه ونجاحه فى كل المجالات... قليلا ما كانت تنطق اسمه مباشرة...بل دائما ما كانت تلقبه ب "أبو فتحى" ابنها الأكبر...
لم يستوعب عقلها يوما كم المواهب الذى كان يمتلكها ... كنت أشعر أحيانا أن كثرة هذه المواهب تخنقها...ولكنها كانت تخرج كبتها ونقمها على اهتمامه الزائد بالعصافير والزرع والموسيقى والرسم فى شكل نقد كوميدى ساخر محير بشكل يجعله يقلل ولو مؤقتا من رعاية الزرع والعصافير والأسماك... والتمركز حول "الأنا" التى كان يعشقها... دون أن تتورط وتعطيه الفرصة أن ينهرها....
لم تدرك يوما ماهية "حزب الوفد" الذى يتشدق به ليل نهار ولم تحاول....كانت تغفر الكثير والكثير من سقطاته... لكنها لم تغفر له أى اقتراب من أبناءها... فتتحول فى لحظة الى قطة هائجة على استعداد أن تنهش كل من يحاول ايذاءهم أو تعكير صفو أيامهم .
للحديث بقية .....
أصارحك القول "جدتى" ...نحن جميعا تائهون بدونك... لا أعرف ..ربما لأنك كنت الحضن الكبير الذى يحتوينا ..أو فلنقل يجمعنا...يوحدنا...يقربنا...يذيب المسافات والحدود..يبدل الكره الى حب....حضن يحول الخلافات الى اتفاق غير معلن على كل وأى شىء....
كنت ومازلت بالنسبة لى لغز لم ولن أستطع فك شفرته الى الآن...
فقد كانت هذه المرأة أمية لا تجيد القراءة أو الكتابة ... ولكنها كانت تجيد باحترافية "فن الحب" ..و لغة "العاطفة" ... وحوار "القلب"... بالرغم من أنها كانت متزوجة من رجل أى "جـــدى" مثقف لأبعد الحدود..متعدد المواهب .. يجيد التحدث بلغتين ...بارع فى كتابة الشعر... أعظم رسام فى العالم... يجيد النحت بمهارة ...يجيد العزف على العود... يهوى تربية العصافير... يجيد عمل مشاتل للزرع...سياسى محترف... شغل مناصب مميزة آخرها "عضو اللجنة العامة لحزب الوفد بالمنصورة" الحزب الذى كان يؤمن بمبادئه يقين الايمان ويتغزل دائما فى مؤسسه "سعد باشا زغلول" كما كان ينعته.. ....!!!!..... ولكننا جميعا كنا نلتف حول "جدتى المرأة الأمية" التى لم تعتلى أى من المناصب ... فالبرغم من أنه كان "جد" مشرف.. ولكنه لم يمتلك أيا من أدواتها التى كانت تجذبنا اليها دون أن نشعر....!!!
كانت هذه المرأة أبسط من الكلمات التى يمكن أن تصفها... تحب أبناءها وأحفادها لأبعد الحدود ...كما كانت تملك براءة وعفوية مصحوبة بروح فكاهية غريبة ...خليط قلما يتواجد فى امرأة..
أذكر عندما كانت تمرض .... فى كل مرة كنا نرسل فى استدعاء "نفس الطبيب" الشاب القاطن بنفس الشارع الذى كانت تسكنه ... وعندما يأتى ... يبدأ فى سؤالها :
الطبيب : بتشتكى من ايه يا حاجة؟؟!!!
جدتى : ضهرى بيوجعنى يا بنى ودماغى... بقولك ايه انت ابن مين؟
الطبيب : أنا ابن فلان الفلانى يا حاجة انتى نستينى ما أنا اللى بجيلك كل مرة؟؟!!!
جدتى :اذيك يا حبيبى واذى الست والدتك وأبوك؟؟...بقولك ايه.. انت ليك عندى عروسة بقة ايه قمر...جمال ايه وحلاوة ايه ... طول ايه.. وبياض ايه.... ولا شعرها مقولكش... "بنتى" انما ايه شربات
الطبيب : بس أنا متجوز يا أمى
جدتى : ما هيه كمان اتجوزت من 10 سنين وعندها بنتين عسل زيها ...يالله ملكش فى الطيب نصيب
الطبيب : طب هاتى ايدك يا حاجة :
جدتى : أظن هتقيسلى الضغط بالجهاز البايظ بتاعك ده مش كدة؟؟؟... جيل خايب لا ليكوا فى طب ولا غيره... الواحد كان شرب شوية لبان دكر منقوع ولا ورق جوافة يجلو صدره... بلا دكاترة بلا هم...
هكذا كان حوارها معه فى كل مرة ..الذى دائما ما كان ينتهى بضحكة منه مجلجلة ...نشترك نحن جميعا فيها... ويكون رد فعلها أن ترمقنا بنظرة محذرة لكى نغادر الغرفة مع ضغط على شفتيها حتى نكف عن الضحك (لأن ضحك البنات قدام الأغراب عيب)
كانت ترى بناتها وأحفادها أحلى بنات فى العالم... فلم تنجب مدينة المنصورة أحلى مما أنجبت هى... وكانت تردد هذا الحوار فى كل مناسبة...وتتوعد من تسول لها نفسها التشبه ببناتها...فكانت اذا حضرت مثلا قريبة لنا للزيارة ... وعقدت فى خضم الحديث مقارنة غير مباشرة بين جمال والدتى وبين نفسها... أو ألمحت لتشابه فى طول الشعر أو جمال العينين...فلا تنتظر جدتى حتى ترحل الضيفة ...لا... تواجها مباشرة بأنه لا مجال مطلقا بين ابنتها جميلة الجميلات وبينك أنتى...ليس لشىء لا سمح الله ولكن هذه هى الحقيقة ...فابنتها لم ولن يولد مثلها...
كانت تمتلك من الصراحة والمباشرة ما يجعلنا نحتمى وراءها... ولكنها لم تكن صراحة وقحة أو فجة... مطلقا .. كم كنت أتعجب من استقبال أى شخص قريب أو غريب لنقدها بصدر رحب!!!... الكاذب تواجهة مباشرة بجملة (زمتك واسعة.... يرمح فيها الحصان)... المنافق ...(فى الوش مراية وفى الأفا سلاية)... القاسى الملامح (انت يا واد عينيك مفيش فيها سحر خالص)... تقصد "بالسحر" الملامح الطيبة الهادئة.. وهكذا
كما كانت حذرة على نفسها وأبناءها من أى ضيف حامل لأى مرض ...فاذا علمت مسبقا بقدوم ضيف مريض بكذا.... تبدأ الطوارىء والاستعدادات بتحضير منديل يحمل قدر كافى من الكولونيا الذى تصر على وضعه من آن لأخر على فمها دون أن يشعر الضيف.. وتنذرنا نحن أيضا بعينيها من آن لآخر...وعندما يغادر الضيف تبدأ فى طقوس غسل اليدين والوجه جيدا لنفسها ولكل أبناءها وأحفادها .... كما كانت تبغض التقبيل لأقصى درجة...تقبيل النساء فى المناسبات مثل الأفراح مثلا... ولكن كان المنديل المعطر دائما الصديق الصدوق المصاحب لها دائما فى كل المناسبات..
كانت تعشق "جدى" لأبعد الحدود... بالرغم أنه كان رجل قاسى نوعا ما...صارم... يدير حياته الأسرية بطريقة أقرب ما تكون للحياة العسكرية... ولكنها كانت مبهورة به .. عاشقة لتميزه ونجاحه فى كل المجالات... قليلا ما كانت تنطق اسمه مباشرة...بل دائما ما كانت تلقبه ب "أبو فتحى" ابنها الأكبر...
لم يستوعب عقلها يوما كم المواهب الذى كان يمتلكها ... كنت أشعر أحيانا أن كثرة هذه المواهب تخنقها...ولكنها كانت تخرج كبتها ونقمها على اهتمامه الزائد بالعصافير والزرع والموسيقى والرسم فى شكل نقد كوميدى ساخر محير بشكل يجعله يقلل ولو مؤقتا من رعاية الزرع والعصافير والأسماك... والتمركز حول "الأنا" التى كان يعشقها... دون أن تتورط وتعطيه الفرصة أن ينهرها....
لم تدرك يوما ماهية "حزب الوفد" الذى يتشدق به ليل نهار ولم تحاول....كانت تغفر الكثير والكثير من سقطاته... لكنها لم تغفر له أى اقتراب من أبناءها... فتتحول فى لحظة الى قطة هائجة على استعداد أن تنهش كل من يحاول ايذاءهم أو تعكير صفو أيامهم .
للحديث بقية .....








